اكتشف المخرج السينمائي البلجيكي لوكاس دونت صوراً لجنود في الحرب العالمية الأولى يؤدون عروضاً بزي النساء أثناء بحثه في فيلمه الجديد «كوارد» الذي حصد جوائز بمهرجان كان السينمائي هذا العام. وتظهر الصور رجالاً ينظمون عروضاً مسرحية لترفيه القوات، وهي ممارسة علم دونت أنها كانت منتشرة على نطاق واسع في الجبهة الغربية لكن الروايات التاريخية أغفلتها إلى حد كبير. ودفع هذا الاكتشاف المخرج إلى دراسة سياسات الذاكرة في بلجيكا، إذ يبقى الصراع عنصراً أساسياً في المناهج التعليمية والاحتفالات العامة بينما ظلت هذه الجوانب مخفية. وقال دونت لصحيفة «بروكسل تايمز» إنه نشأ وهو يمر بسيارته أمام مقابر الحرب دون أن يواجه مثل هذه الصور يوماً.
وأوضح المخرج أن الجنود صنعوا أزياءهم من مواد متوفرة مثل المظلات والحبال وحتى الرصاص، وبنوا المسارح من صناديق الذخيرة. وبسبب ندرة وجود النساء قرب خطوط الجبهة، تولى الممثلون الرجال جميع الأدوار النسائية في عروض تراوحت بين الرسوم الارتجالية والعروض المتنقلة الأكثر تعقيداً التي تجول في الخنادق. وتصف رواية أحد الجنود ارتداء تنورة مصنوعة من أكياس الرمل وقبعة لأداء دور «الأم» التي تقبل الآخرين قبل النوم، مما يبرز الراحة النفسية التي قدمتها هذه العروض وسط رعب الحرب. وأفادت «بروكسل تايمز» بأن دونت تعرف على الموضوع أول ما بدأ من خلال غلاف كتاب شد انتباهه فوراً.
ويستند فيلم «كوارد» إلى هذه الحاشية التاريخية لاستكشاف قضايا المثلية في أوائل القرن العشرين وآلية اختيار المجتمعات للجوانب التي تحتفظ بها من الماضي. وواجه دونت غياب هذه القصص عن المناهج البلجيكية والنصب التذكارية، الأمر الذي وضعه أمام الانتقائية في حفظ الذكرى. «لقد واجهني سياسات الذاكرة لدينا مواجهة مباشرة حين رأيت تلك الصورة»، قال. «نشأت في بلجيكا. الحرب العالمية الأولى جزء من تعليمنا. أقود سيارتي بجانب المقابر عندما أزور صديقي. ومع ذلك لم أكن قد رأيت هذه الصور من قبل. لماذا نخفيها؟»
وثق المؤرخون أن مثل هذه الحفلات والعروض التي تضمنت ارتداء زي الجنس الآخر شاعت بين القوات البريطانية والفرنسية وقوات الحلفاء الأخرى للحفاظ على الروح المعنوية خلال الجمود الطويل من 1914 إلى 1918. وتشير دراسة صادرة عن متحف الحرب الإمبراطوري إلى مشاركة آلاف الجنود في المسرحيات الهواة التي غالباً ما تضمنت التنكر بزي النساء، رغم تركيز السرديات الرسمية على القتال والتضحية بشكل شبه حصري. وسجلت الجبهة الغربية أكثر من 10 ملايين ضحية عسكرية وفق إحصاءات لجنة قبور الحرب الكومنولث، وهي الخلفية الكئيبة التي برزت فيها هذه العروض.
ويأتي عمل دونت في سياق نقاشات بلجيكية أوسع حول طريقة إحياء ذكرى الحرب العالمية الأولى، لا سيما في مناطق مثل إيبر حيث تتشابك الذاكرة بالسياسة المعاصرة. وعبر المخرج عن دهشته إزاء تهميش هذه العناصر الشاملة من جانب المؤرخين لعقود طويلة رغم التدريس المكثف عن النزاع. واعتبر فتح الكتاب المعني لحظة فارقة غيرت نظرته إلى الحرب والمواقف المجتمعية تجاه التعبير عن الهوية المثلية آنذاك واليوم.
ولفت الفيلم الانتباه بتصويره الحساس للجنود الذين وجدوا رفقة ومهرباً عبر الأداء المسرحي، مما يناقض التصورات التقليدية للرجولة في زمن الحرب. وضحك دونت وهو يروي لقاءه الأول مع هذه المادة كما أوردت الصحيفة، ثم تعمق في شرح ازدهار الإبداع تحت أقسى الظروف. وهكذا يتجاوز «كوارد» كونه مجرد عمل ترفيهي ليصبح تعليقاً على تاريخ مهمش ما زال يشكل النقاش العام حول الذاكرة والهوية.
